Express it 2 live it

Just another WordPress.com weblog

مذكرات نونو (سلسلة من الهزائم والانتصارات) – الجزء الثالث

on April 20, 2012

الشهر الخامس

أصبحت الأشياء أكثر وضوحًا، وكانت أمي تمسك الكثير من الأشياء ذات الألوان المبهجة وتحدث بها الأصوات التي أنبهر لسماعها، فمهما كانت شدة بكائي، تسترعي انتباهي تلك الأصوات … الغريب أن أمي كانت تمد إلي بهذه الأشياء وكنت أستطيع الإمساك بها، ولكنها كانت تتحرك من يدي، ثم تختفي، وهنا أبدأ في البكاء فقد ذهبت اللعبة، إلا أن أمي تأتي إلي بها مرة أخرى، ماهرة هي أمي كثيرًا …

كذلك كان التلفاز يحمل الكثير من الأصوات والألوان والحركات المبهرة التي أتوقف أمامها كثيرا وأحب متابعتها.

الشهر السادس – الشهر الثامن

الحياة الآن تختلف تمامًا، فكل ما حولي مختلف: الأشكال والألوان، الصور والأشخاص، الأصوات والروائح، الأطعمة … إلخ

بدأ شهري السادس، معه بدأت حياتي بالفعل تتخذ منحنى جديدًا وشكلًا آخر، فقد تبدلت شخصيتي تمامًا، وتتطور شعوري بمن حولي. فأمي تلك التي كنت أعتقد أني أحبها، أصبحت بالنسبة لي عشقًا، ملاذًا وحماية، سكنًا وهدؤًا، لعبًا ومرحًا، هي كل شيء الآن! وأبي ذلك الذي كنت أظن أني أستلطفه من وقت لآخر، أصبح صديقًا ألعب معه وأضحك وأشتاق إليه حينما يغيب عني! وذلك الفتى غريب الأطوار الذي يشبهني كثيرًا، والذي كنت أعتقد أنه يضيق المساحة علي أصبح الآن مصدرًا للهو، فنحن نلعب معًا في بعض الأحيان، وأستمتع بإخافته في أحيان أخرى. نعم إخافته، فقد كان يُصدم حينما أطلق صرخات عالية ويبدأ في البكاء، فأصبحت هذه إحدى مصادر متعتي، ولكن ليس دائمًا، ففي مرات أخرى، أخاف من بكاءه وأحن إليه وأبكي معه!

بدأت أمي مرحلة أخرى من الغذاء، وهي الطعام!! شيء غريب، له مذاق غريب، فهو تارة حلو، ومرة مالح، ومرة لا أعرف. حتى رائحته تختلف من وقت لآخر! المهم أني لم أحب هذا الشيء الذي دخل في حياتي، فأنا مستمع بالرضاعة إلى أقصى حد، ولا أريد أن يعكر شيء آخر صفو تلك اللحظات الممتعة، وهنا كان القرار، سأرفض هذا الطعام، لا أريده!

كان هذا أول قرار لي آخذه بإرادتي وأصمم عليه. وبدأت الحرب، فمن الواضح أن قراري هذا لم يعجب حبيبتي، وبدأت تتبع أساليب واستراتيجيات أخرى، فتارة تمسكني وتُلبسني ذلك الشيء على صدري المدعو “بافته”، وتبدأ إطعامي والغناء. وتارة أخرى تضعني على الكرسي مع الألعاب وتفتح التليفيزون وتأتي بالأغاني، ومرات أخرى تستعين بأبي الذي كان يشد انتباهي بشدة، فآكل وأنا لا أشعر. الغريب أني بعد فترة من الصراع والدفاع المتمثل في الصراخ والبكاء أصبحت بعض الأكلات تشدني، وبعض المذاقات تستهويني! وأشعر بالجوع فتكون هي ما تسكن ألم الجوع! ولكن، كلا، سأصر على موقفي، لن آكل! سأبدأ التكتيك والترتيب، بدأت في المرة التالية لإطعامي أبصق الطعام من فمي، وكانت هذه الحركة مصدر نرفزة لأمي، فكانت تصرخ لأبي “شايف عمل ايه! بهدل الدنيا،” ثم تعلمت كيف تُدخل هي الملعقة إلى فمي وأُخرج أنا الطعام كله! هاها، حركة لطيفة، وكانت هذه الحركة هي الأخرى مصدر ضيق لحبيبتي. ولكني بعد كل هذا لم أنجح في ردعها! فهي تظل مصممة على إطعامي، ويظل بند الطعام بندًا أساسيًا في جدولنا! أشعر حقًا بمرارة الهزيمة …

لم تكن الحياة عبارة عن طعام ونوم فقط، بل كانت هناك مستجدات جديدة على حياتي. فقد بدأت أكتشف أن جسدي هذا له الكثير من المواهب، ويمتلك الكثير من الإمكانيات. ياللعجب! فأنا أستطيع أن أتقلب في جميع الاتجاهات، وأستطيع أن أرفع نفسي على ذراعي، أن أدفع نفسي إلى الأمام، وأن أتحرك باتجاه ألعابي، بل وفي تجاه أشياء أخرى من المحرمات، مثل ذلك السلك الأسود المغري أمامي، أو سماعة الهاتف اللذيذة التي تظل أمي تصرخ حينما أصل إليها!

أما اللعب فأشكاله لا حصر لها، كنت أجلس في تلك العربة الصغيرة ذات العجل وأشعر أني أنظر إلى العالم من منظور آخر، أنظر من الأعلى، وكانت الحركة فيها ناعمة وسهلة، فقط كل ما علي أن أدفع نفسي لأي تجاه، واو، ياله من شعور، وكانت أهميتها الأساسية أني أستطيع الذهاب خلف حبيبتي في كل الأماكن التي تذهب إليها!

حبيبتي، تلك المرأة الجميلة التي تلخصت في كلمة أمي، لم أكن أعرف أقصة حب تلك التي بيننا أم هي ماذا؟ شعور غريب ينتابني حين تحضنني، وشعور أغرب وأبشع حينما تبتعد عني. أشعر بساعدة غامرة حينما تضحك لي، وأشعر برغبة عارمة في شد انتباها حينما تنشغل عني، فأصرخ، أو أتحرك أو أفعل أي شيء حتى تنظر إلى، وعندما تفعل، أو تأتي لتلعب معي، تكون هذه بحق زهوة الانتصار…

الشهر الثامن – السنة الأولى

لم تكن الشهور التالية تحتوي على الكثير من الأحداث، ولكنها شهدت أهم الانتصارات ومراحل التقدم. وأولها تلك القدرة الغريبة على الوقوف! لم أكن أعلم وأنا أمد يدي باتجاه حبيبتي رافعًا جسدي أنني بهذه القوة لأقف! نعم، حقًا، لقد استطعت الوقوف! أول الأمر، اختل توازني وسقطت، ولكنها كانت كبوة بسيطة، استطعت بعدها أن أقف. ومع قدرة الوقوف المذهلة تلك، اكتسبت قدرة أخرى وهي الحركة. بالطبع ليست حركة محدودة كتلك التي كنت أمارسها وأنا مستلق على الأرض، بل هي حركة تستلزم جهدًا وتركيزًا وبالطبع قوة!

أما القدرة الأخرى، فكانت القدرة على العض. كان أمر لطيف ومريح للغاية. فبواسطة تلك الأسنان العلوية والسفلية أستطيع أن أطبق على أي شيء حتى لو كانت يد أبي! أذكر أنني حين فعلت ذلك أول الأمر أنه صرخ من الألم، ثم ضحك كثيرًا! وياللمتعة.

السنة الأولى وشهران

الهزيمة الكبرى

لعلي قد أخبرتكم كثيرًا عن حبيبتي وعن تلك العلاقة التي كانت تربطنا. كانت تفهمني دونما الحاجة إلى الكثير من الصراخ والإشارات. كان الرابط بيننا أقوى من كل المشاعر التي وصفت أو ستوصف. لا أستطيع أن أصف ما بيننا على أنه حب، بل هو شيء أعظم بكثييير.

ولكن هذه الحبيبة خذلتني! نعم، لأول مرة تفعلها، وكم كانت قساوتها. لم تكن قساوة الأمر تكمن فيما فعلته، بل في أن قلبها سمح لها بأن تفعله. وملخص هذا الفعل في كلمة “فطام”. كنت أسمع هذه الكلمة تتردد كثيرًا على مسامعي، ولم أكن أدركها. وفهمت فيما بعد أنها تعني توقف الرضاعة. المشكلة أنها لم تكن تفهم أن الرضاعة بالنسبة لي هي رابط من المشاعر بيننا. فأنا لم أكن أرضع لحاجة الجوع، بل أرضع لحاجتي إليها.

كم كانت هي سعادتي عندما تقبل علي وتمد ذراعها تحت رأسي وتقربني منها ثم تحتضني، كنت أرضع في نهم شديد، نهم للحب والعطاء!

بدأ الأمر تدريجيًا، كانت تقلله شيئًا فشيئًا. خدعتني! نعم خدعتني! أبعدتني عنها. كانت تحاول أن تلعب معي أو تجذبني لأشياء أخرى ولكني فهمت في آخر الأمر. لم يعد حضنها دافئًا كما عهدته، ولم تعد جذبتها لي لها نفس الرونق. لم تعد حبيبتي تحبني. لم يلن قلبها لصراخي المستمر، ولم تحن لألمي، ولم تفهمني.

انهمرت الدموع من عيني أول الأمر، نظرت إليها باستعطاف علي أجد في عينيها ردًا لألمي! ولكنها لم تجب. كانت تحتضني بقوة أكبر وتغني لي بصوت أرق وتربت على رأسي بحنان أعظم، ولكني كنت أريد شيئًا آخر، فلم آبه لما تحاول هي فعله!

في تلك اللحظة، أعلنت العصيان. نعم، إنها نهاية الحب السامي مع حبيبتي. ابتعدت عنها، ذهبت إلى مكان آخر في الفراش، غطيت عيني بذراعي، وبكيت، بكيت كما لم أبك من قبل. فكم هو صعب العذاب عندما يأتي من أحب الناس إليك!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: