Express it 2 live it

Just another WordPress.com weblog

مذكرات نونو (سلسلة من الهزائم والانتصارات) – الجزء الرابع

on April 23, 2012

حبيبتي تعود

وجاءت حبيبتي. جاءت إلى بعد أن ابتعدت عنها، حملتني وضمتني إلى صدرها، وهدهدتني حتى هدأت ثورة الغضب والألم الكامنة داخلي. لم ترضعني كما تمنيت. ولكني ساعتها أدركت أن حبها لم يتغير وأن حنانها قد ازداد. بل إني قد لاحظت في إحدى المرات دموعًا تملأ عينيها مع صرخاتي. ساعتها همست في نفسي أن كلا، لن أكون أنا سببًا في دموع حبيبتي، وسكنت داخل حضنها الكبير وهدأت ثورتي ونمت.

لم يكن اليوم التالي مختلفًا كثيرًا غير في حقيقة واحدة أن زمن الرضاعة قد انتهى، وأدركت حينها أن الدنيا بدأت تبتسم وأن أنيابها بدأت تظهر شيئًا فشيئًا.

حياة أخرى

بدأ الأمر يختلف تدريجيًا فقد بدأ إدراكي يكبر ومداركي تتسع ومسئولياتي تزيد! في البداية لم أكن أفعل غير البكاء كي تلبى احتياجاتي، وكانت حبيبتي حقًا على قدر عظيم من المسئولية، فهي لم تتأخر عني أبدًا. حتى في عز نومها كانت تستيقظ من أجلي، أنا نفسي لم أكن أعرف لماذا أستيقظ كل حين والآخر. في البداية كنت على علاقة وطيدة بالرضاعة … آه، تلك الأيام … ولكن بعد ذلك عندما توقفت، لم أعد أعرف لماذا أستيقظ، ولكن شعور بالرهبة داخلي كان يقض مضجعي ويجعلني أبحث عنها، وعندما تأتي وألمسها وأشعر بأنفاسها أسكن ويبدأ النعاس يداعبني مرة آخرى، والنوم اللذيذ يمتلكني بين أحضانه.

عودة للحديث عن المسئوليات، لست أدري كيف أتى هذا الأمر، علي أنا من مللت أن تلبي كل طلباتي وودت أن تكون لي شخصيتي المستقلة، أو علها أمي هي من قررت أني الآن طفل كبير لديه سنة وثلاثة أشهر ويجب أن يعتمد على نفسه.

كان شعوري بالسعادة كبير حقًا حين أتت لي بكوب حليب ذا ألوان زاهية وأعطته لي في يدي. نظرت إليه، كان مختلفًا عن الكوب العادي، فله رأس دائرية مغلقة تخرج منها شوكة أو عصاة، أو هي كما دعتها أمي “شاليمو”، نظرت إلى الكوب وإلى أمي وفكرت في نفسي “حسنًا ماذا علي أن أفعل الآن” أعطيتها الكوب ثانية، فقد لفتت نظري في ذلك الوقت لعبتي التي تصدر الأصوات في يد أخي، وقررت أن أذهب إليها. ولكن أمي جاءت تلاحقني وتعطيني إياها مرة أخرى، ووضعت الشاليمو في فمي، فتذوقت الحليب الذي أحبه، رائع، هيا أين الباقي؟ لم أعرف كيف أصل إلى الحليب مرة أخرى، فقد كان ما مصته أمي كافيًا للتذوق، ولكني أريد المزيد! بدأت أبذل المجهود كي أشفط الحليب من الكوب، تعبت في أول الأمر، وألقيت بالكوب في الأرض وذهبت للعب. ولكن أمي كانت قد صممت على إعطائي هذه المسئولية، وكنت أنا على قدرها! فلم يفت غير يومين وأنا أتجول بالكوب وحدي أشرب منه كأي رجل كبير.

لم تقتصر المسئوليات على كوب الحليب، أو قطع البطاطس التي استطعت أيضًا أن أفهم كيفية أكلها بعبقريتي وحدها، ولكن كانت هناك مسئولية أدبية، تلك التي تظهر في عصبية أبي عندما أذهب إلى التلفاز أضغط على أزراره الجميلة، أو أتجه ناحية الأسلاك المغرية المتدلية منه، أو أضرب أخي بلعبة من اللعب. كنت أجد أمي وأبي يتجهان إلى ويقولان بصوت عال “لا، لا تفعل هذا”، لم أكن أعرف وأنا أفعله أنه خطأ، ولم أستطع أن أمنع نفسي عنه رغم عصبيتهما، كان أمرًا معقدًا!

الحلم

في بداية حياتي، عندما كنت صغيرًا للغاية، كنت أسمع الكثير من العبارات عن ابتسامتي “إن الملائكة تلاعبه، حتى عندما يكون نائمًا”. لا أعرف ما هي الملائكة، ولا أتذكر إن كنت رأيتها أو لا، ولكني أتذكر شعورًا بالسكينة كان يحاوطني كأن هالة من الاطمئنان قد أسدلت أستارها حولي وأبت أن تتركني.

مع تقدم العمر، بدأت هذه الهالة تخبو شيئًا فشيئًا، فلم يعد النوم ممتعًا كما كان، ولم تعد السكينة أمرًا مسلمًا به.

كنت أرى أبي وأمي دائمًا مع بعضهما البعض، وكانت هناك الكثير من الحوارات الدائرة بينهما، لم يكن يسترعي انتباهي منها إلا ما علا فيه صوتهما. كنت أرى في ملامح أمي مزيج من الغضب والكبرياء وفي ملامح أبي مزيج من الثورة والهياج، وكنت أشعر عندها بشيء في صدري، كأنها لكمة، أو خوف، أو انكسار، كنت أبكي، أبكي كثيرًا لأن أشد من أحبهما يفعلان هذا بي!

وجاءت الأحلام، تقدم العمر وتوقف الرضاعة مع بعض الخلافات أتت جميعها بمشاعر أخرى لم أكن أرغب في معرفتها.

حلمت ذات يوم أني استيقظت أبكي منتظرًا حبيبتي، ولكنها لم تكن هناك ولم تأت إلى كعادتها. ازدادت الصرخات، واحمر وجهي، وشعرت بسخونة تتملكني، ولكنها لم تأت، نزلت من سريري وخرجت، فوجدت ألعابي ملقاة في كل مكان، ولكنها لم تأت، أذهبت؟ أتركتني؟! غير ممكن، فتحت عيني واستيقظت ساعتها مذعورًا وقد انطلقت صرخة من حلقي استنجد بها أن تأتي.

وأتت، لم تخذلني كعادتها في الحقيقة، ولكنها خذلتني في الحلم!

من ساعتها قررت ألا أتركها. كنت أتبعها في كل مكان، في المطبخ وفي الخارج وفي بعض الأحيان في الحمام حتى في كرسي السيارة كنت أجلس معها بجانبها. نعم، لن أتركها!

أخي

هذا المخلوق غريب بكل المقاييس. كانت أوجه الشبه بيننا غريبة، فنحن متشابهان في الطول والجسد، في الحركات والتطورات. حتى أننا في بعض الكثير من الأوقات نفعل نفس الأشياء في نفس الوقت. فنحن نلعب معًا ونأكل معًا، نستحم معًا، وننام معًا، ونخرج معًا، بل ولقد كنا معًا داخل أمي في نفس الوقت!

نوع المشاعر التي أمتلكها لهذا الكائن مريبة بعض الشيء. فأنا لم أكن أنتبه إليه ولم يكن يسترعي انتباهي فهو مصدر للإزعاج عندما يبدأ في البكاء، ومصدر للغيرة عندما يجذب حبيبتي مني!

عندما بدأنا نمشي معًا، بدأت نظرتي إليه تختلف، فقد أصبح مصدرًا للعب واللهو. كان المشي مرحلة أخرى بالنسبة لي وله، فلم نكن الآن نحتاج إلى أحد يمد لنا يد العون كي نقف أو إلى كرسي أو كنبة حتى نتحرك، بل أصبحنا أكثر اتزانًا وتحكمًا.

عندما يتذوق الإنسان طعم النجاح يزداد عنده شعور التحدي. نعم، هكذا كنا أنا وأخي، صار المشي بداية سلسلة من الانتصارات والقفزات والتطورات.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: