Express it 2 live it

Just another WordPress.com weblog

مذكرات نونو (سلسلة من الهزائم والانتصارات) – الجزء الخامس

on May 1, 2012

أزمة التكلم

لم تكن الحركة كما ظننت هي الانتصار الوحيد الذي ينتظرني، ولكنها كانت الشاغل الأكبر بالنسبة لي. بصراحة، لم أكن أهتم كثيرًا بالقصص التي تحاول أمي أن تحكيها، أو تلك الكروت الملونة التي كانت تحاول أن تجذب انتباهي لها. وأعتقد أن الأمر شخصي للغاية في النهاية، فكل منا لنا اهتمامته. ولهذا تركزت حياتي في سنتيها الأولتين على التقلب والوقوف والوصول إلى الألعاب وقذف بعض المكعبات وضرب أخي الصغير والركض خلف والدي أو والدتي والدخول إلى رفوف المطبخ وفتح باب الثلاجة (الأمر الذي كان يستفز والدتي إلى أقصى حد) والكثر والكثير من الأمور.

الآن وقد بلغت من العمر الكثير (تقريبًا سنتين وبضع أشهر)، بدأت اهتمامتي اللغوية والفكرية تظهر. “بابابابا” و”ماماماما” و”دادادادا” من أولى الكلمات التي استطعت أن أنطقها. الغريب أني كنت أفهم لغة أبي وأمي في الحديث ولكني لم أكن أتخيل أني أيضًا أمتلك تلك القدرة! ياللعجب! حقًا إن الإنسان لا يفقه قدراته جيدًا إلا حين يعطي لنفسه فرصة للتفكير والتأمل. فبعد تلك الأصوات، جاءت الكلمات، والغريب أن للكلمات معان. فأصبح من السهل عوضًا عن البكاء أو الإشارة أن أقول “ماء” أو “بو” كي تفهم أمي أني أريد أن أشرب.

أعتقد أن هذا الأمر أخذ باعًا من أمي وأبي وآخرين في النقاش. فقد كان الجميع يرى أنني وأخي متأخران في الحديث والتواصل، فنحن لا نضاهي فتاة تدعى “ملك” في الحديث. كانت أمي الأعقل في الرد، فكانت دائمًا تجيب أنني وأخي لنا ظروف خاصة: أولها أننا نعيش في بلد غريبة بعيدًا عن عائلتنا الكبيرة في مصر، وثانيها أننا توأم وهي قد سمعت أن التوأم عادة يتأخران في الكلام، وثلاثهما أننا أولاد فنحن مشغولون بالحركة والقفز واللعب. ولكن جدتي كانت ترى أن أبي وأمي دائمًا مقصران، فمن وجهة نظرها لم تكن أمي تدعونا لمشاهدة التلفاز كثيرًا وهو السبب الرئيسي للحديث بالنسبة للأطفال في الإطار الذي تعرفه جدتي. أما أبي فكان يتخذ رأيًا محايدًا، فهو يرى أننا تأخرنا ولكن ليس بدرجة تدعو للقلق، خاصة أننا أظهرنا بعض بوادر الحديث ولم تكن لدينا أية مشاكل في السمع.

 من الواضح أن أمي أخذت الأمر على أعصابها كثيرًا، فقد بدأت في اتباع استراتيجيات جديدة لنتحدث أنا وأخي:

1)    كانت أمي تريدنا أن نتحدث لغتين من صغرنا (الإنجليزية والعربية). فكانت دائمًا تتحدث معنا بالإنجليزي، وتترك العربي لباقي معارفنا الذين لا يتحدثون سواه. لم تكن بالطبع تتحدثه طوال الوقت، ولكني أذكر أن معظم يومنا كان يحتوي على اللغة الإنجليزية. ولم أكن أرى في الموضوع مشكلة بالنسبة لي، فقد كنت أفهم ما تقوله جيدًا. ماجعلني أذكره الآن أنه كان نقطة خلاف مع بعض الأشخاص الذين كنت أجدهم دائمي النقد لها قائلين “كلميهم عربي، مش لما يعرفو العربي يبقو يعرفو إنجليزي”. ولكنها لم تكن تعير أحدًا اهتمام، صلبة هي أمي في قرارتها، كما عهدتها دائمًا.

2)    الكتب، عدنا مرة أخرى للقصص والصور ولكن هذه المرة بشغف أكبر من قبلي أنا وأخي. فقد كنا نتلهف للإمساك بتلك الكتب الملونة وتصفح الصور التي تحتويها. أي نعم، كان الأمر غالبًا ما ينتهي بخناقة مع أخي الذي يريد أيضًا الاستحواذ على الكتاب، ولكننا كنا نفشل في النهاية لأن أمي كانت تأخذ الكتاب لتقرأه لنا. لم أكن أركز دائمًا فيما تقول ولكنها كانت تغير في صوتها وتحاول أن تجذبنا بطرق كثيرة، ولهذا أضحى الأمر ممتعًا.

التعلم عن طريق المنزل، هذا هو النظام الجديد الذي اتبعته أمي.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: