Express it 2 live it

Just another WordPress.com weblog

مذكرات نونو (سلسلة من الهزائم والانتصارات) – الجزء السابع

on June 17, 2012

أمي الأخرى

تبدلت أمي كثيرًا جدًا. أنا أحبها كما هي، بصراخها وغضبها، بحنانها وحضنها، أحبها كثيرًا. ولكني حين أدركت أني أعني لها شيئًا، أحسست بفارق كبير. كانت تنظر إلي وكأنها تقول لي “أنا أقدرك” ليس فقط “أنا أحبك”. أحبت أمي فكرة أن تتعلم معنا، تتحرك بخطواتنا، تنظر بأعيننا الصغيرة، تحتضن أيدينا الصغيرة وتتركنا نحن نقودها. ونحن أيضًا أحببنا ذلك. كنت أسمعها تقول “كلا لم يعد الأمر مجرد مسئولية إطعام أو غيار، بل هو شيء أعظم من ذلك. كنت في السابق أعتقد أني أحبهم بدافع الواجب، ولكني الآن أحبهم لأني أستمتع بتعليمهم والتعلم معهم”.

لم تعد تجلس على الكمبيوتر كثيرًا كالسابق، بالطبع لم تتوقف عن الصراخ عندما نفتح الثلاجة ونأتي بزجاجة الماء لنسكبها، ولكنها أصبحت تخترع ما نصنعه معًا. فتارة تحضر لنا المكعبات نلعب معًا ونبني أشياء كثيرة. ومرة أخرى تأتي بألوان ونرسم معًا. ومرة ثالثة تأتي بورق وقصاقيص ملونة ونجلس معًا نرتبها ونلصقها ثم تعلقها على الحائط.

انتظمنا في حلقات التعليم المنزلي مع هؤلاء السيدات وأطفالهن يومين في الأسبوع. وكانت المواضيع تختلف ولكن النظام واحد، فكانت كل أم تقوم بتنظيم يومها كما يتراءى لها ولطفلها، فتارة يكون الموضوع عن الدباديب، أو عن الثلج، أو عن الحواس الخمسة، أو النحل والعسل … إلخ. وكانت كل مرة تتضمن أغاني وقصص وأنشطة كثيرة.

تنوعت الأنشطة التي نفعلها مع أمي في يومنا، فكانت حريصة على أن تقرأ لنا كل يوم أو أن تقرأ هي على الأقل كتابها المفضل الذي لم يكن مسموحًا لنا لمسه بالطبع. كنا نجلس معها على الكمبيوتر وتعرض علينا بعض أغاني الأطفال التي نختار منها ما نريده، فكنت أنا أحب أغنية عن الأتوبيس وكان أخي يحب أغنية عن العنكبوت وكانت الطفرة حين أظهرنا إعجابنا بأغنية تتحدث عن النظام الشمسي. كانت أغنية طريفة تظهر فيها دوائر تغني وتتحدث عن نفسها، فتطلع الشمس لتغني، ثم يأتي عطارد والزهرة والأرض … إلخ. نعم، استمتعنا بها كثيرًا وقتها، ومع استمتاعنا ظهرت لمعة انتصار في عيني أمي، كانت كأنها تبحث عن شيء مفقود ووجدته في حبنا للأغنية.

وفي ميعادنا التالي قامت أمي بعمل موضوعها عن النظام الشمسي، فبدأت بعرض الفيديو الذي نحبه على الأطفال، ثم قالت أننا سنعمل الكواكب على هيئة بالونات، فكانت البالونة الصفراء الكبيرة هي الشمس، والرمادية الصغيرة هي عطارد، والحمراء هي المريخ، والزرقاء هي الأرض. ثم جلسنا وشرحنا كل الكواكب وأظهرنا الفروقات بين أحجامها وملمسها، ثم لعبنا لعبة انفجار الكواكب حيث ربط كل منا كوكبًا في قدمه وطاردنا بعضنا البعض لنفجر الكواكب وكان هذا أفضل ما في اليوم! غنينا ولعبنا ورقصنا وقفزنا، كان يومنا رائعًا بكل المقاييس!

أمي الثائرة دونما سبب وجيه!

نعم أكملنا الثلاث سنوات وكان الاحتفال مبهرًا. لم يكن هناك غيرنا نحن الأربعة أمي وأبي وأخي وأنا. علقنا الزينة في المنزل ونفخنا البالونات وجاء أبي بشمع غريب يصدر وهجًا كبيرًا، وعلت الضحكات والغناء، وكان هذا يومًا آخرًا رائعًا!

تحدثت كثيرًا عن حبي لحبيبتي وعن كيفية تغيره مع الوقت ومع السنة الثالثة اكتشفت أني لا أحبها كثيرًا فهي ليست براقة كما تبدو. فكانت تصرخ فينا حينما ندخل لنلعب معها في المطبخ. الغريب أننا دائمًا نكتشف ما يثيرها ويلفت انتباهها كفتح الفرن أو استخدام عصا المقشة لفتح النور، فكانت تصرخ فينا وتضربنا على أيدينا وتخرجنا خارج المطبخ. لست أدري لماذا تفعل هذا، أنا فقط أريد أن ألعب، وصراحة أستمتع بصراخها في ساعات أخرى فأنغمر في الضحك عليها!

أمر آخر كنا نحب أن نلعب فيه وهو الثلاجة. في الحقيقة أود أن أشكر مخترع هذا الجهاز شكرًا جزيلًا وكثيرًا. فهو حقًا شيء غريب. لن أتحدث عن المفتاح الخارجي الذي باستطاعته إغلاق الثلاجة تمامًا كأنها باب غرفة، فقد سئمت أنا وأخي من فتحه وإغلاقه عشرات المرات، ولن أذكر أيضًا ذلك المؤشر الذي كنا نستمتع بتحريكه جيئة وذهابًا دونما معرفة حقيقية لوظيفته، ولكني سأحدثكم عن النور الغريب الذي ينطفأ عندما نغلق الباب. في البداية لم نكن نعرف أن النور ينطفأ، فنحن نرى النور مضوي طالما أننا نفتح الثلاجة، ولكني أنا وأخي كنا نحب أن نفتح ونغلق الباب بسرعات متفاوتة، ففي البداية كنا نحب أن نرزع الباب بحيث ينطلق صوت أمي مدويًا أننا سنخرب الثلاجة، ثم أعجبنا أن نغلق الباب بهدووووووووء، وياللسحر، انطفأ النور. أخذت منا هذه الظاهرة مغامرات كثيرة وساعات من الدراسة وسط الضغط العصبي الذي تصنعه تلك المرأة! ولكننا اكتشفنا هذا الأمر أخيرًا، فهناك مفتاح في أعلى الثلاجة إذا ضغط عليه يمكنك أن تغلق النور دون أن تغلق الباب! ياإلهي، أنصحك بتجريبه وإلا فاتك الكثير!

مشكلتي مع أمي أني لا أستطيع الانفصال عنها، وكانت هي تحاول أن تبعدني عنها! فكانت بعد الغداء تتمدد على الكنبة وتغلق عينيها، كانت دعوة للهدوء ولكنني أراها دعوة للعب، فكنت أقفز عليها وأشد شعرها أو أشد بطانيتها أو آتي بسيارتي وأمشي بها فوقها (كان جسدها يصنع مطبات ممتعة في الحقيقة)، ومرة أخرى تثور ثائرتها وتحاول إبعادي عنها. فكنت أبتعد ولكني كنت أعلم أن خطوتي التالية ستجعلها تجن تمامًا، فكنت أدفع كرسي الطعام إلى مفاتيح الكهرباء وأتسلقه وأبدأ فتح النور وإطفاءه، ويبدأ أخي في الضحك والقفز على الكرسي بشكل هستيري.

الفريق

كنت أنا وأخي بدأنا دونما أن نشعر أن نشكل فريقًا، فنن نتحرك معًا ونتعلم معًا ونخطط معًا، بل وكانت لنا لغتنا الخاصة. كان إحساس غريب ذلك الذي يجمعنا، فكنا نقضي الوقت في اللعب بالسيارات أو عجينة التشكيل أو الكرات. كنا نستحم معًا ونخترع ما يمكننا فعله بالماء … كانت الحروب تنشب بيننا في أوقات كثيرة، كتلك التي أريد أن آخذ فيها لعبته دون مبرر غير أنني أريد أن ألعب بها في هذا الوقت أو أنه ضربني أو أننا كلينا نريد الجلوس في مكان محدد. وكانت أمي دائمًا تأتي وتقوم بوضع قواعدها “نلعب معًا ونتشارك”، “لا نضرب أبدًا مهما كانت الأسباب”. ولكننا كنا نقضي وقتًا ممتعًا معًا، ونتفاهم كثيرًا، فكنت أحب أن أعطيه لعبتي التي يبكي عليها أو أن أحتضنه وأقبله … أعتقد أني أحبه …

حبيبتي في المساء

فجأة قررت أنها تريد منا أن نرقص، شغلت الموسيقى، وأمسكت يداي وجعلت تديرني في كل الاتجاهات، تتركني وتذهب لأخي تحركه وتجعله يتمايل، فتبرق أعيننا فهاهي حبيبتنا تشعل لهيب الحب في قلوبنا، وتعود إلي، لي أنا وحدي، نعم لي أنا وحدي، تحتضني، تقبلني، تدغدني، تعتصرني، تحملني، تلقيني على الكنبة، وتدور لتمسك أخي، أراها تضحك ضحكات لامعة، شعرها يتطاير كما النسمات حولنا، ويداها خفيفتان علينا ثقيلتان ألا تسقطنا أبدًا أو تؤذينا، أشعر بالأمان معها، كلا أشعر بالثقة، أو هو تقدير من نوع ما، باختصار أنا أشعر معها بالحب!

في المساء كنت أقترب منها كثيرًا، ألف يدي الصغيرة حول رقبتها، وأقرب شفتي من وجنتيها، أتحسسها وأغمض عيني، أشعر بالنعاس، ثم يوقظني صوت التلفاز، أطلب منها أن تحكي لي قصة، فتقرأ لي بعض القرآن ثم تبدأ بحكاية القصة، يأتي النعاس مرة أخرى، أقرب شفتي من وجهها مرة أخرى، ناعمة هي وجنتيها، أغمض عيني، وأذهب بعيدًا وأنا أعرف أني لا زالت قريبًا جدًا منها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: