Express it 2 live it

Just another WordPress.com weblog

عندما استنشقت الدخان

on February 8, 2014

 

(قصة قصيرة)

قررت أن أذهب لأحد المقاهي. ليس كتلك التي كنت أدعوها “قهوة في زقاق” لأعبر عن المقاهي الضيقة ذات الكراسي البدائية والمناضد الخشبية التي عادة ماتكون متسخة وملقاة دون أي ترتيب منطقي في أحد الأزقة/الشوارع. بل ذهبت إلى واحد من المقاهي الحديثة، حيث الكراسي المحشوة الوثيرة والطاولات النظيفة والجو المكيف والمضيفين الوسيمين ذوي الثياب الأنيقة النظيفة … نعم، وحيث الأموال الكثيرة التي عليك أن تدفعها لتشرب قهوتك بالشوكولاتة البيضاء بطبقة من الكريمة المخفوقة.

أخرجت علبة سجائري من حقيبتي السوداء الكبيرة التي تلائم الموضة، ووضعت ساقًا على ساق كما تعودت منذ صغري فأصبحت حركة تلقائية لا “أنتكة فيها” أو تعالي ونظرت إليها. أول علبة سجائر أدفع فيها مالًا خاصًا بي. فأنا لست مدخنة، ولا أحب الدخان … في الحقيقة، إنه أكثر ما أكرهه في حياتي. فكم كنت أكره رائحة الحمام عند خروج أبي بعد انتهائه من سيجارته. بل أكثر من هذا، أنا أكره حركات المدخنين. نعم فللمدخنين حركات تداعب الدخان وتلاعبه. ينسون معها من يكلمونه أو أن هناك أصلًا من يتحدث إليهم. فتجد شفاههم تتحرك إلى جنب من الأجناب وكأن أصابهم الشلل مثلًا لينفثوا الدخان من فتحة صغيرة في جانب فمهم، أو يكتمونه في صدورهم ويغلقون أفواههم وكأنهم يعتقونه في رئتيهم ثم يخرجونه في شريطين من الدخان متوازيين من أنوفهم، أو يرفعون رؤوسهم للسماء وينفثون خيطًا طويلًا من الدخان يتناثر ويتفتت قبل أن يصل إلى عنان السماء. الدخان يشبهنا كثيرًا، يشبه قيمنا الضائعة، يشبه ترابطنا، يشبه مشاعرنا، يشبه آراءانا، يشبه علاقاتنا.

ولكني سأتوقف عن الفلسفة، نعم لا جدوى منها على أية حال …

تناولت السيجارة الأولى من العلبة الأولى. لا ليست السيجارة الأولى. إنها الثانية. ولكني لازلت مدخنة، نعم أقسم بالله لا زلت لست مدخنة.

أنا فقط أردت يومها – يوم تلك السيجارة الأولى – أن أتذوق طعمها، أعرف لماذا يحبونها … كنت أراها دائمًا في التلفاز تلازم من هم في حالة عصبية أو حزينة ويحتاجون للتهدئة. وكم كانت صعبة تلك الفترة الفائتة من عمري. كنت دائمة الخلاف مع صديقي وحبيبي. لسبب ما لم تكن شبكاتنا العصبية تفهم إشاراتنا كما كنا في السابق. ثلاث سنوات مرت على خطوبتنا، ولكن المدة لم تكن هي المهمة، لم يكن الخاتمان هما ما يشكلان علاقتنا، بل كانت مشاعرنا. صعب أن أصفها، فهي ليست حبًا أفلاطونيًا كما في قصص الخيال ولا هي ألفة المشاعر مع طول الارتباط … بل هي كتلك الدخان داخل الصدر، استنشقناها وحبسناها، فعتقناها تمامًا كما الروائح العطرية، وتركناها تسري داخلنا مع الوقت، تذوب في خلايانا، تخرج من رئيتنا لصدرينا لقلبينا لعقلينا، وأبدًا لم ننفث هذا الدخان، بل حبسناه هنالك حتى اختنقنا به. تناولتها تلك السيجارة التي سرقتها من علبة أبي ودخلت الحمام وجلست على قاعدته. ماذا ياترى يفعلون بك؟ أأنت حلوة المذاق حقًا؟ أنا أكره أن أكون عبدة لسيجارة، أن أتعصب إذا تأخرت على أخذ جرعتي منها. ولكن ربما هي شيء جميل وأنا لا أعرفها بعد. لأجربها إذًا لأعرف إذا ماكنت سأختار عبوديتها بيدي أم سأكرهها للأبد وأعلن عصياني التام لها. تناولت الولاعة وحاولت إشعالها في يدي. ولكنها لم تشتعل! تلك السيجارة اللعينة! أتحاول عصياني، أنا سيدتها؟! مهلًا، ليس هكذا يشربها أبي، يجب أن تكون السيجارة في فمه، هكذا يشعلها. وضعتها في فمي وحاولت إشعالها مرة أخرى، ولكن الحقيرة لم تشتعل ثانية! لا بد أن هناك تكنيك، استراتيجية، طريقة. حاولت أن أشفط الهواء وأنا أشعلها، فاشتعلت، نعم بهذه البساطة، كل ماعليك أن تشد الدخان إليك، أن تشعره بشوق ما حتى يأتي إليك. حتى الدخان يفهم ما لا يفهمه بنو آدم، يفهم أن قدرًا ما من المشاعر مطلوب حتى تشتعل نيران أي شيء. استنشقت قليلًا من الدخان لأعرف مذاقه. طعمه دخان، نفسه نفس الفحم إذا أشعلته. لا شيء حلو فيه، ولا مالح. دخان يخلو من أي مذاق. أطفأتها.

وعدنا إلى عهدنا السابق. نتاحدث، نتلاقى كل يوم، نحتضن أيدينا، نذهب إلى الحفلات سويًا، نرقص في الأفراح فنجد فرصة ما لحضن شرعه المجتمع، أو قبلة شرعناها لأنفسنا ونستنشق أنفاسنا فتذهلنا روائحنا العطرية ونطير في عالم مختلف لا يمت للواقع بصلة. ثم نهبط في يومنا التالي من الجنة، وكأننا أكلنا التفاحة المحرمة في الليلة السابقة فيحين ميعاد عقابنا ونفينا. وتسير بنا الأيام تارة مترابطين وتارة منفصلين نعلم أننا سنعود لسابق عهدنا لأن حبنا أقوى.

ولكن هذه المرة مختلفة، هذه المرة أنا أقوى من ضعفي وعبوديتي وإصغائي لصوته الذكوري العالي. أنا أقوى من أن أعتذر كل مرة عن خطأ أقنعني هو به. أنا أقوى من أذوب لأنه لمس يدي أو اقترب مني. أنا أقوى من رقصة وكلمة. أنا أقوى من مجتمع يحاول أن يضعني في قالبه. أقوى من صورة رسمتها الأشعار في الأذهان، أقوى من زينة ملامح سلبية فرضتها علي المعتقدات المتناقضة والشعوب المتلونة. تمامًا كحالها السياسي والاجتماعي والثقافي.

تناولت السيجارة الثانية. ورن الهاتف. إنه هو. أتوق لأرد عليه. وضعت السيجارة في فمي والولاعة في يدي وعيني معلقتين على هاتف يرن بلا انقطاع، هاتف أعلم أنه يحتاجني وأحتاجه، هاتف أعلم أنه قد يكملني وأكمله إذا أنا فقط تخليت عن صلابة رأسي وعنفوان طموحي. أشعلت السيجارة بتمرس هذه المرة واستنشقت دخانها ذا الطعم السيء. دخانها الأسود الذي أعلم أنه سيقتلني بالبطيء، نعم فهكذا يقول علماء الطب، دخانها الذي يرمز لمجتمع له وجه وقح يخفيه خلف علب الزينة، فلهذا قد يتوصل علماء الفلسفة، حبسته داخل رئتي هذه المرة، وكأني أعتقه، تركته يتغلغل في رئتي ومنها لقلبي لعقلي. وعندما نفثته بكحة صاحبته انتهت رنات الهاتف، وبدأت ثانية. نظرت له بلا مبالاة وأخذت نفسًا آخرًا بلا مبالاة، عتقته وتركته ينفذ من داخلي ليتلاشى في الهواء وأنا أمر بنوبة من الكحة والاختناق. فلعل بداية المرض تكون بداية الشفاء.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: